تقرير إستخباراتي وشاهد فرنسي يتهمان الموساد باغتيال الحريري.هكذا تمّت عملية الإغتيال
الحريري على لائحة الاغتيال في موقع اللوبي اللبناني بواشنطن
خاص المنار - سيناريو قرار ظني افتراضي ج3: علي عوباني -
ثمة مفارقة كبيرة لا يمكن تفسيرها في كلام مدعي عام المحكمة الدولية دانيال بلمار ففي حين صرّح جهاراً بأنه يعتمد على الأدلة الظرفية في سوق قراره الظني في قضية اغتيال الرئيس الحريري واصفا اياها بأنها أقوى الأدلة المباشرة، الا أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هو لماذا لا يجري البحث أيضاً وعلى قاعدة الادلة الظرفية في العديد من المعطيات والأدلة والقرائن التي تكشفت منذ اغتيال الرئيس الحريري حتى اليوم والتي تقطع دابر الشك باليقين حول تورط "اسرائيل" باغتيال الحريري.
- الأدلة الجرمية لاتهام اسرائيل بالجريمة:
- الاقرار بالجريمة:
اقرار رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية
اذا ما هدفنا فعلاً لتحقيق العدالة عبر الأخذ بالمعايير القانونية السليمة للاثبات في التحقيق الجنائي والتي تفرض التقيّد بمبادئ الاستقامة والنزاهة أثناء اقامة الدليل أمام القضاة على واقعة أو عمل قانوني في سبيل جلاء الحقيقة، فانه ثمة قاعدة قانونية أساسية في علم القانون الجزائي تعتبر الاقرار سيد الأدلة لا يعلوه دليل آخر من حيث القوة الثبوتية وهو يشكل حجة قاطعة على المقر.
وفي هذا الاطار، فلا يخفى على أحد بأن رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية عاموس يادلين أقر بادارة جهازه الأمني "أمان" للعديد من الإغتيالات والتفجيرات في لبنان، واعترف مؤخراً بأنه "كان لحادثة اغتيال الرئيس الحريري الفضل الأكبر في اطلاق أكثر من مشروع لاسرائيل في لبنان"، مشيراً الى أنها " سجلت أعمالاً رائعة في إبعاد الاستخبارات والجيش السوري عن لبنان وفي حصار حزب الله".
تصريحات يادلين هذه تشكل اعترافاً صريحا ًباغتيال الحريرى والعديد من الشخصيات اللبنانية، وهو ما يتقاطع مع ما كان كشفه سابقاً بتاريخ 3 حزيران/ يونيو 2008 موقع 'فيلكا' الاستخباراتي الصهيوني والذي أشار الى أن الكولونيل "أمان رؤفين أرليخ" الضابط بالمخابرات العسكرية الصهيونية اعترف بارتكابه جريمة اغتيال الحريري، مشيراً إلى أن قتل الحريري أدى لسيطرة أمريكا على لبنان وخدم الاستراتيجية الصهيونية.
ويشار أيضاً إلى أن الصحافي عاموس هارئيل كان قد كتب في تقرير أعدته صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية في الخامس والعشرين من أيار/مايو عام 2010 ، بأن رئيس "أمان" قدّم ملفاً في نهاية العام 2001 أي قبل أكثر من ثلاث سنوات من الاغتيال توقّع فيه أن يقتل الحريري على يد حزب الله.
وليس بعيداً عن هذه الأجواء كانت صحيفة 'الاتحاد' الإماراتية هى الأخرى قد نشرت تقريراً وصفته بالسري للمعهد الصهيوني لدراسات المشرق جاء فيه أن "تل أبيب" متورطة بالتفجيرات المتواصلة في لبنان.
ووفقاً للتقرير فإن رئيس الوزراء السابق إرييل شارون أكد بعد اغتيال رفيق الحريرى بأن "الوضع في لبنان تحت السيطرة وأن تل أبيب فتحت قنوات اتصال متميزة مع العديد من الأطراف سواء في لبنان أو خارجها، ممن لها صلة وقدرة على التحرك في لبنان لوضع حد للتواجد السوري فيه ".
وكشف التقرير أيضاً أن كيانه قام منذ اغتيال الحريرى بتهريب كميات كبيرة من المتفجرات عبر الحدود الشمالية مع لبنان.
الى ذلك، كان تقرير للاستخبارات الفرنسية، ترجمه الباحث والصحفي الأمريكي المتخصص بالشؤون الأمنية، "برايان هارينج"، قد توصل الى أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي ''الموساد'' هو الذي اغتال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
القرائن :
وهنا نعود لطرح تساؤل آخر، وهو كيف تم تعطيل أجهزة الانذار الموجودة في موكب الحريري والتي بامكانها أن تكشف المتفجرات، علما أنها نادرة بالعالم من حيث التقنية العالية والمتطوّرة الموجودة فيها ؟.
تعطيل أجهزة الانذار والتشويش بموكب الحريري
من الوهلة الأولى يتضح لنا ان عملية اغتيال الحريري كانت عملية معقدة وان منفذوها محترفون ويمتلكون تقنيات متطوّرة وعالية للتحكّم بمجريات تنفيذ العملية بالشكل الذي تمت فيه، وهو ما أكده خبراء دوليون، حينما أشاروا إلى أن جريمة من هذا النوع ما كانت لتتم دون وجود الأدوات والتقنيات الحديثة وهو ما لا يتوفر إلا عند الموساد الاسرائيلي والاستخبارات الأمريكية. خصوصاً وأنه لا يتخيّل على الاطلاق أنه بامكان أي جهة محلية مهما علا شأنها امتلاك تقنيان تشويش مضادة لأجهزة الانذار الموجودة في موكب الحريري، وهو ما أكده الخبير الألماني المتخصص في علم الجرئم السياسية "يورغن كاين كولبل" في كتابه "الأدلة المخفية في ملف اغتيال الحريري " الصادر في أيار/مايو 2006 ، حينما كشف "بأن أجهزة التشويش التي استخدمها موكب الحريري بشكل دائم، تعطّلت قبل ساعة واحدة من حدوث عملية الاغتيال، حيث توقف عمل الجهاز الإلكتروني لموكب الحريري الخاص بتعطيل استقبال وإرسال أية ذبذبات خاصة بأجهزة الهاتف المحمول وأية أجهزة تحكّم عن بعد يعرفها العالم وتستخدم للتفجير عن بعد". وأوضح أن تلك الخاصية، حسبما بيّنت الاختبارات التقنية لا يمكن تعطيلها إلا من الشبكة المركزية للتحكّم في النظام الإلكتروني لتلك الأجهزة، والتي لا تملكها إلا الشركة الموردة لها والتي يؤكد الكاتب أنها شركة إسرائيلية وأن أحد أصحابها عمل حتى سنوات مضت في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.
طائرات أواكس اسرائيلية في مسرح الجريمة
كما ويظهر مراجعة جداول بعض الدول المجاورة للبنان والتي تمتلك رادارات تسجل وترصد حركة الجو اليومية، بأن الإنفجار الذي أودى بحياة الرئيس رفيق الحريري والذي حدث عند الساعة الثانية عشرة والدقيقة السادسة والخمسين ظهر يوم الاثنين 14 شباط/فبراير 2005 ، تزامن مع حركة جوية اسرائيلية حيث سجل نشاط لطائرة "أواكس" مقابل السواحل اللبنانية، وصولاً إلى بيروت، وذلك منذ الساعة العاشرة حتى الساعة الثانية والدقيقة الثلاثين. كما سجل في الأجواء اللبنانية أيضاً نشاط لطائرة استخبارات إشارة وحرب إلكترونية مقابل السواحل اللبنانية، وصولاً الى بيروت ما بين الساعة العاشرة والدقيقة الثلاثين حتى الساعة الثانية عشرة والدقيقة الأربعين .
الاستطلاع التحضيري للتنفيذ:
تبين من مطابقة خريطة حركة موكب الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والأماكن التي يذهب إليها أنه كان هناك استطلاع ورصد جوي اسرائيلي متكرر وعلى مدى زمني وفي أوقات متعددة لهذه الأماكن ولمكان حدوث الاغتيال، وخصوصاً في السنوات الأخيرة قبل الاغتيال ومنها :
- القصر الحكومي القديم في منطقة الصنائع والطرقات المحيطة لجهة شارع الحمرا والجهة المقابلة قرب حديقة الصنائع.
- القصر الحكومي الجديد وساحة النجمة ومجلس النواب.
- الكورنيش البحري انطلاقاً من منطقة فندق السان جورج وانتهاءً بمنطقة الروشة.
- الطريق البحري من مسبح الجامعة الأمريكية باتجاه السان جورج.
- منطقة عين المريسة وصولاً إلى منطقة فندق السان جورج مكان استهداف الرئيس الحريري.
- كوع "منعطف" طلعة يسوع الملك على طريق فاريا- فقرا
- منزل السيد شفيق الحريري والشوارع المحيطة به في صيدا جنوبي لبنان .
الأقمار الاصطناعية وصور طائرات التجسس
في الواقع، ورغم ان العديد من الشهود بالقرب من مسرح الجريمة أكدوا أنّهم سمعوا صوت طائرة تحلّق في اجواء بيروت ورغم ان اميركا واسرائيل تمتلكان أقماراً اصطناعية وطائرات تجسس في المنطقة الا انهما لم تتعاونا بتسليم الأشرطة المصوّرة أثناء حدوث الاغتيال الى لجنة التحقيق الدولية من أجل كشف حقيقة ما جرى. وبهذا الصدد يقول المحققون الميدانيين في لجنة التحقيق الدوليّة إن اللجنة طلبت مساعدة إسرائيل لتزويدها بصور التقطتها طائرات التجسس الإسرائيلية يوم اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لكن إسرائيل "زودتنا بصور قبل ثلاثة أيام من عملية الاغتيال وادّعت أن عطلاً تقنياً طرأ على كاميرات طائرات التجسّس قبل يومين من عملية الاغتيال واستمر ذلك العطل يومين إضافيين بعد العملية". ويضيف: "بعدما رفضت إسرائيل تسليم لجنة التحقيق صوراً تجسسية لعملية الاغتيال، توجّهت اللجنة بالطلب نفسه إلى الولايات المتحدة الأميركية، "والغريب أن الأميركيين كرّروا الادعاء الإسرائيلي أن عطلاً تقنياً طرأ على أجهزة تصوير طائرات التجسّس في يوم الاغتيال".
عطل الطائرات التجسسية المزعوم يثير الريبة والشك حول دور كل من اميركا واسرائيل في عملية اغتيال الحريري ويكشف أنه لديهما ما يخفيانه ويتكتمان عنه من معلومات قد تفيد التحقيق خصوصاً وانهما لو قاما باظهار هذه التسجيلات لظهر الكثير من الحقائق المخفية التي بامكانها ان تساعد في كشف الحقيقة.
بالجرم المشهود : عملاء اسرائيل متلبسون في مسرح الجريمة
تبين وجود معلومات مؤكدة تفيد بأن أحد العملاء التنفيذيين لاسرائيل واسمه غسان جرجس الجد، كان متواجداً في منطقة الاغتيال في السان جورج في 13 شباط/فبراير 2005، أي قبل يوم واحد من اغتيال الحريري، والعميل غسان الجد كان له سوابق بتسهيل دخول وخروج عناصر من المخابرات الإسرائيلية عبر الشواطئ اللبنانية والحدود البرية لتنفيذ مهمات تنفيذية ولوجستية منها نقل عبوات وحقائب سوداء كما انه شارك بتاريخ 12 كانون الأول/ديسمبر 2004 بعملية اغتيال احد المقاومين (الشهيد غالب عوالي) من خلال إيصال الفريق التنفيذي الاسرائيلي إلى مكان العملية وإخلائه منها بعد التنفيذ.
الحريري على لائحة الاغتيال في موقع اللوبي اللبناني في واشنطن
وفي سياق متصل، عرض كتاب الخبير الألماني في علم الجريمة "يورغن كاين كولبل" لمجموعة من المعلومات والشهادات التي تصب في خانة اثبات تورط واشنطن و"تل أبيب" بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، فأشار الى أن اسم الحريري كان حتى مقتله وارداً على لائحة الأشخاص الذين يجب القضاء عليهم وذلك في موقع "يونايتد ستيتس كوميتي فور أي فري ليبانون" ("لجنة الولايات المتحدة لتحرير لبنان") على شبكة الأنترنت، وهو موقع "للوبي" اللبناني في الولايات المتحدة القريب من أوساط المحافظين الجدد.
التخطيط لحرب على لبنان مع تصور مسبق لغياب الحريري
هذه المعلومات تتقاطع مع ما توصّل اليه الكاتب والمحلل الفرنسي المعروف "تيري ميسون" في كتابه "الكذبة الكبرى 2"، والذي خلص إلى فيها ان اسرائيل واميركا هما اللتان استفادتا من جريمة اغتيال الحريري، كاشفاً أن مجموعة مقربة من وكالة الاستخبارات الأمريكية "سي .أي .ايه" تسمى "لجنة أمريكية من أجل لبنان حر" كانت على علم مسبق بالجريمة.
وأبعد من ذلك، فقد كشف ميسون بالاستناد الى وثائق "البنتاغون" الاميركي بأن الحرب الاسرائيلية على لبنان في تموز/يوليو 2006 كان قد خطط لها منذ تاريخ طويل مع تصوّر مسبق لرحيل القوات السورية نهائياً عن لبنان حتى يبقى هذا البلد بدون دفاع وأيضاً غياب رفيق الحريري من أجل إبعاد النفوذ الفرنسي.
شبكة الاتصالات اللبنانية
تبين بحسب الخبراء والمختصين بأن "اسرائيل" استطاعت السيطرة بشكل تام على قطاع الاتصالات اللبناني والتحكّم به فضلاً عن قيامها بزرع خطوط سرية كان يشتريها لها عملاؤها داخل خطوط أشخاص آخرين، وزرع عملاء كبار داخل شركات الهاتف الخلوي والولوج الى شبكة الانترنت( الباروك).
وفي الخلاصة، فان كل هذه الاختراقات المتحققة في الجسم اللبناني تعطي اسرائيل قدرة على النفاذ الى الساحة اللبنانية وتزودها قدرات لوجستية وتنفيذية تستطيع من خلالها ادارة شبكات تجسس واستطلاع ورصد، كما تمنحها قدرة ميدانية على تنفيذ الاغتيالات، لا سيما وأنه بامكانها رصد مكان تواجد اي شخص بدقة عبر هاتفه الخلوي، ما يجعل استهدافه أمرا بغاية السهولة.
الشهود :
* شاهد فرنسي يتهم الموساد باغتيال الحريري
وفي السياق ذاته، كان تقرير استخباراتي صادر بتاريخ 24 تشرين الأول/اكتوبر 2006 ، أعده الصحفي الأميركي المشهور واين ماديسون والذي يتمتع بمصداقية كبيرة، قد كشف فيه أيضاً بأن ضابط مخابرات فرنسي، يعمل في المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي أدلى بإفادة هامة حول اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، قال فيها: "إن رفيق الحريري تم اغتياله في حادث انفجار سيارة مفخخة، جرى ترتيبه بواسطة جهاز الموساد الإسرائيلي". وكشف التقرير بأن أبرز أهداف عملية اغتيال الحريري كان يتمثل في:
- إشعال الغضب الشعبي ضد سوريا في لبنان.
- إخراج القوات السورية من لبنان.
- إلقاء اللوم والمسؤولية في عملية الاغتيال على سوريا، وذلك من أجل إدانتها دولياً وفرض العقوبات الدولية ضدها.
- إضعاف قوة لبنان العسكرية وتركه مكشوفاً أمام الاعتداءات الإسرائيلية، بعد خروج القوات السورية، وتجريد المقاومة من سلاحها.
وبحسب مادسون، فإن اغتيال الحريري كان يراد به أن يكون صاعق التفجير الذي يوفر المناخ الملائم لتأزيم الوضع في لبنان والانقضاض على سورية وتالياً التخلص من منظمات المقاومة وفي مقدمتها حزب الله.
الخلاصة :
وبالاستناد الى جميع ما تقدم وبعدما تبين بأن المستفيد الأكبر من جريمة اغتيال الرئيس الحريري هو أميركا واسرائيل، وبنتيجة تحليل طريقة تنفيذ الاغتيال، وفي ضوء جميع الأدلة والقرائن المتقدمة والتي تؤكد تورط اسرائيل بجريمة الاغتيال، فان قرارنا الاتهامي الافتراضي هذا يتهم العدو الصهيوني باغتيال الرئيس رفيق الحريري بصاروخ انطلق من الجو في لحظة دولية حرجة تمثلت بالتقارب الحاصل بين الرئيس الاميركي جورج بوش ونظيره الفرنسي جاك شيراك حول لبنان، وذلك من أجل استثمار هذا الاغتيال لزعزعة الوضع في لبنان والنفاذ امنياً اليه للقضاء على سوريا والمقاومة.
وفي خلاصة الأمر، فان أي قرار اتهامي آخر لا يفنّد ما تقدمنا به، يكون قراراً مجافياً للحقيقة وبعيد عن العدالة والانصاف بعد السماء عن الارض.
خاص المنار: سيناريو قرار ظني افتراضي – ج1 : اسرائيل المستفيدة
تقرير خاص موقع قناة المنار – علي عوباني
بالإذن منك يا بلمار ومن أسيادك الدوليين، بالإذن من عدالتكم التي تكيل بمكاييل وتتعدد فيها المعايير، ومن محكمتكم المسيسة من رأسها حتى أخمص قدميها، ومن تحقيقكم المشوّه المبتور الذي لا يؤمل منه كشف الحقيقة، بالإذن منكم جميعاً ولأننا لا نثق بكم وبعدالتكم، لجأنا إلى محكمة العقل والمنطق، فقط محكمة العقل لنستدل ونسترشد منها إلى الحقيقة ونكشف المجرم والقاتل الحقيقي والفعلي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فكان لنا هذا السيناريو الافتراضي لقرار ظني يسلّط الضوء على فرضية اتهام إسرائيل بعملية الاغتيال. لكنه ليس قراراً ظنياً خاوي الوفاض، أو منزوع الدليل، بل قراراً يستند إلى أدلة وبراهين قاطعة ودلائل لا لبس فيها ولا تأويل، استندت على علم وأصول التحقيق الجنائي حتى إذا ما قيست بمقياس المنطق والإنصاف والعدالة فلا شك بأنها ستوصل إلى مكان واحد هو الحقيقة فقط الحقيقة.
أولاً – البحث عن المستفيد من جريمة اغتيال الحريري
لا شك وأن من بداهة الأمور أنه لا يمكن ارتكاب جريمة مهما كان حجمها لمجرد ارتكابها بدون هدف أو دافع ومصلحة يبغي الفاعل تحقيقها، ففي كل جريمة وكما أنه ثمة متضررون منها ثمة مستفيدون من ارتكابها أيضاً، والفائدة المتحققة بالطبع ترتبط بحجم الجريمة ونوعها.
وهنا إذا ما نظرنا في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، فان الشخص المستهدف وصفه البعض بأنه "يختصر لبنان"، لما يتمتع به من ثقل بارز، لحجم صلاته وصداقاته المحلية والإقليمية والدولية، ولموقعه كرئيس لعدة حكومات متتالية وكزعيم للطائفة السنية في لبنان، وكذلك لكونه رجل أعمال بارز وثري جداً ولديه مشاريع في عدة دول غير لبنان.
انطلاقاً من ذلك، فان النتيجة الأولى التي يمكن أن نستخلصها هي أن مرتكب جريمة اغتيال الحريري، كان يهدف إلى ضرب موقع الحريري وليس شخصه كشخص. وإذا سلّمنا جدلاً بذلك، فهذا يعني أنه أريد تحقيق هدف ما من وراء ضرب هذا الموقع عبر الاغتيال. وهو ما يشير إليه حجم الاستهداف مظهراً بأنه ليس هدفاً صغيراً أو متواضعاً، إنما هدف كبير وكبير جداً ذاك الذي استدعى اغتيال الحريري.
المستفيد من جريمة اغتيال الحريري وأوجه الاستفادة:
ومما لا شك فيه أن الظروف المحيطة بتنفيذ الجريمة وطريقة التنفيذ تلعب دوراً بارزاً في كشف بعض الملابسات أو التفاصيل أو حتى المؤشرات التي قد يكون لها معاني هامة في طريقة الاستدلال على المستفيد من ضرب موقع الحريري ومرتكب الجريمة؟.
أولاً – الظروف السياسية المحيطة بالاغتيال :
لم يكن الرئيس الحريري في سدة السلطة أثناء حدوث اغتياله الذي تزامن مع مرحلة مضطربة شهدها لبنان منذ حصول المصالحة الفرنسية الأمريكية بين الرئيسين الفرنسي جاك شيراك والأميركي جورج بوش في حزيران/يونيو 2004 ، والتي وضعت طبق لبنان في سلم أولوياتها بعد الخلاف بين الجانبين حول غزو العراق، فكانت حصيلة هذا التقارب الأميركي الفرنسي "سايكس بيكو" جديد تمخض عنه صدور القرار الدولي 1559، والذي حاول من خلاله بوش استمالة شيراك لتأييد سياساته بالعراق عبر الإيحاء بإمكانية توسيع النفوذ الفرنسي في لبنان وسوريا تحت عنوان "نشر الحرية والديمقراطية".
بالطبع الدوافع التي قادت نحو هذا التقارب حول لبنان لم تكن ذاتها، فبينما كان الرئيس الفرنسي الذي عارض غزو العراق، يريد حجز حصة له في الشرق الأوسط الجديد من خلال بسط نفوذه وسيطرته على لبنان وسوريا عبر إسقاط النظام السوري من بوابة لبنان، مقتنعاً بأن "انسحاب القوات السورية من لبنان سيفضي بنهاية الأمر لإسقاط النظام السوري"، كان الأميركيون من جهتهم، يسعون لتطويع نظام الرئيس الأسد حتى يجاريهم في التخفيف من حدة مأزقهم العراقي.
ففي كتابه "لحظات القرار"، وتحت عنوان " خطة نشر الحرية"، يتفاخر بوش بما حققه في لبنان بعد صدور القرار 1559 واغتيال الرئيس الحريري فيقول بعد سرده لأحداث تلك الآونة،" مثلت ثورة الأرز أحد أهم النجاحات في خطة نشر الحرية. فهي حدثت في بلد متعدد الديانات ذي غالبية مسلمة. ونتيجة لضغط دبلوماسي قوي من العالم الحر، ومن دون تدخل عسكري أميركي..".
من جهته، يقول الكاتب والمحلل الفرنسي المعروف "تيري ميسون" في كتابه "الكذبة الكبرى 2"، أنه توصّل إلى قناعة مفادها أنه فوق أرض لبنان تجري لعبة المستقبل، أي المشروع الإمبريالي الأمريكي، مشيراً إلى أن المشروع الأمريكي يمر عبر السيطرة على شعوب الشرق الأوسط، وهي الممثلة أحسن تمثيل في لبنان وليس في مكان آخر.
هذه الظروف السياسية المحيطة بجريمة اغتيال الرئيس الحريري تقودنا إلى محصّلة لا بد منها وهي أنه لمعرفة من يقف خلف تلك الجريمة لا بد من النظر إلى الجهة المستفيدة منها والتي حصدت المزايا السياسية لتلك الجريمة، ويمكن رصد أوجه الاستفادة من الجريمة من خلال تسارع الأحداث عقب عملية الاغتيال وتتلخص بالآتي :
1. تحقيق انسحاب القوات السورية من لبنان وهو ما نص عليه أحد بنود القرار 1559 .
2. نقل الطائفة السنية من موقع المؤيد لسوريا والمعاداة للسياسة الأميركية في المنطقة إلى موقع معاكس تماماً.
3. تحريك الشارع اللبناني لصالح إسرائيل وأميركا وتأليب الرأي العام اللبناني على المقاومة وتشويه صورتها عبر زج اسمها في الجريمة.
4. الاقتصاص من سوريا لعدم تعاونها في العراق والضغط المتواصل على نظامها لتحقيق تنازلات منه تخدم السياسة الأميركية.
5. وضع اليد الأميركية والفرنسية المباشرة على لبنان عبر السيطرة على مراكز القرار والسلطة السياسية فيه
6. إضعاف قوة لبنان العسكرية وتركه مكشوفاً أمام الاعتداءات الإسرائيلية، بعد خروج القوات السورية، والسعي لتجريد المقاومة من سلاحها.
7. خلق أدوات ضغط ( تحقيق ومحكمة دولية ) للنيل من سوريا وحزب الله.
من كل ذلك يتبين أنه ما من مصلحة سورية باغتيال الحريري وزعزعة استقرار لبنان والمنطقة وتعريض قواتها وأمنها وسلطتها فيه للخطر، خصوصاً في ظل العيون الدولية عليها في تلك الآونة والتي تجسدت بشكل أساسي عبر القرار 1559 . هذا فضلاً عن أن الحلف بين دمشق والرئيس الحريري بقي قائماً حتى آخر يوم في حياته، وهو الذي قال في آخر تصريح له "نحن حريصون جداً على علاقاتنا مع سورية وعلى حماية مصالحها، وهذا الحرص نابع من التزاماتنا الوطنية والعربية العميقة".
وبهذا الصدد نتوصل إلى خلاصة مفادها أن المستفيد الأكبر من عملية اغتيال الحريري وحالة اللااستقرار الحاصلة في لبنان عقب الاغتيال كانتا إسرائيل وأميركا، فضلاً عن أنه ليس هناك من مجال للشك بأن لبنان وسورية كانا المتضررين الأكبرين من تلك الجريمة.
ماذا يقول الكاتب الألماني يورغن كولبل؟سيناريو قرار ظني افتراضي - ج2 : اسرائيل اغتالت الحريري بصاروخ جو ارض.
تقرير خاص موقع قناة المنار - علي عوباني -
من أهم المسائل التي أثارت جدلاً كبيراً في لبنان عقب اغتيال رئيس الحكومة الاسبق رفيق الحريري هي الفرضيات بشأن كيفية حصول الجريمة فتعددت بين قائل بأن التفجير انطلق من عبوة مزروعة تحت الارض، الى قائل بأنها كانت محمولة في سيارة ( الميتسوبيشي)، وصولا ًالى فرضية الاغتيال جواً بواسطة صاروخ اطلق من طائرة عسكرية اسرائيلية او اميركية.
وبما أن طريقة تنفيذ جريمة الاغتيال في جريمة الرئيس الحريري تلعب دوراً بارزاً – كما في كل جريمة - في كشف بعض الملابسات أو التفاصيل أو حتى المؤشرات التي قد يكون لها معاني هامة في طريقة الاستدلال على الجهة المرتكبة للجريمة، لذلك كان هذا البحث المعمّق في طريقة تنفيذها؟.
طريقة تنفيذ الاغتيال :
ان ًحجم وقوة وطريقة تنفيذ التفجير الذي استهدف موكب الرئيس الحريري يشير :
أولا – الى أن الجهة التي تقف خلف الاغتيال هي جهة كبيرة جداً ومنظّمة ولديها خبرة وقدرة استخباراتية لوجستية وعملانية تنفيذية.
ثانياً – الى أنه كان يراد من طريقة الاغتيال تحقيق أهداف فرعية معينة في سياق الهدف الأكبر من الجريمة ومنها:
- ضمان تحقيق النتيجة بحيث لا يكون هناك أي أمل بنجاة الرئيس الحريري
- تعقيد التحقيقات وتضليلها بحيث يصعب كلما كبر حجم التفجير التوصل الى معرفة الجناة الحقيقيين
- استثارة الغرائز وشحن النفوس من خلال تحقيق القتل بصورة شنيعة، وهو ما يؤكده الكاتب الألماني يورغن كولبل صاحب كتاب "الأدلة المخفية في اغتيال الحريري" حينما يقول إنه "وفقاً لخطة بشعة، كان اغتيال الشخص الذي يختصر لبنان (رفيق الحريري) مدبّراً ليظل محفوراً الى الأبد في أذهان اللبنانيين، ويجعل منهم أدوات لما عرف بعد ذلك بثورة الأرز".
هذه الملاحظات تطرح سؤالاً جوهرياً حول الطريقة التي تمت بها تنفيذ جريمة اغتيال الرئيس الحريري، والتي يمكن حصرها بثلاث فرضيات لا غير:
*فرضية التنفيذ بواسطة عبوة زرعت تحت الأرض :
هناك الكثير من المعطيات والمؤشرات التي توصل الى نتيجة واحدة مفادها استبعاد فرضية من هذا النوع بالنظر لصعوبات عملية تعيق عملية زرع متفجرات قد يصل وزنها طن تحت الأرض في منطقة واقعة في وسط بيروت وتشهد حركة مستمرة ليلاً نهاراً ما من شأن ذلك أن يفتضح أمر القتلة، هذا من جهة، ولصعوبة تنفيذ الاغتيال بهذه الطريقة من جهة أخرى، هذا فضلاً عن أن الحفرة الهائلة التي أحدثها الانفجار، والمساحة المتضررة المحيطة بمسرح الجريمة توحي بأن الانفجار لم يحصل تحت الأرض وإلا لكانت رقعة المساحة المتضررة أقل اتساعاً.
فلو أن المواد المتفجّرة كانت مدفونة تحت سطح الأرض فإنها تنتج علمياً تمدداً عنيفاً للغازات والحرارة والصدمة والصوت الشديد وما يشبه الهزة الأرضية الخفيفة لكن ليس لها نفس القدرة التدميرية في المجال المفتوح وبما أن الأرض غير قابلة للإنضغاط فان التدمير ينحصر في المحيط المجاور. أما إذا وضعنا الشحنة فوق السطح فسيكون تأثير الموجة الانفجارية لمكان أبعد.
وبالتالي فان استبعاد هذه الفرضية يقود اذاً الى نتيجة لا لبس فيها ولا تأويل وهي أن التنفيذ تم اذاً باحدى فرضيتين هما :
- التفجير بواسطة انتحاري يقود سيارة مفخخة تحمل كمية كبيرة من المتفجرات قد تصل أو تزيد عن 1000 طن .
- الاغتيال جواً بواسطة صاروخ أطلق من طائرة عسكرية
*فرضية تنفيذ الاغتيال بواسط سيارة مفخخة يقودها انتحاري:
لم يثبت بأن الطريقة التي استخدمت في الاغتيال هي "سيارة مفخخة" يقودها انتحاري، وذلك لأسباب عدة منها:
1- الحفرة الناتجة عن الانفجار هي بعرض 9×15 متراً، وبعمق 3 أمتار، وبالتالي، كان من المفترض بالعبوة– لو أنها كانت محمولة في سيارة فوق الأرض بحسب الخبراء- أن تكون بزنة 6 أطنان من المواد الشديدة الانفجار على الأقل كي ينجم عنها هكذا حفرة، في حين الواقع الذي أكدته كل التقارير هو أن زنة العبوة لا تتجاوز الطن من المتفجرات، ما يحتّم أنها لم تكن فوق الأرض وإلا لما أحدثت حفرة كهذه.
2- الحفرة المتولدة عن الانفجار يبرز منها قسطل مياه متضرر مغطى بالطين والبحص، ما يظهر أن الانفجار وقع في جزء منه تحت الأرض على عمق ليس بقليل، لأن عبوة محمولة في سيارة فوق الأرض لن تصل إلى هذا العمق لتنبش قساطل شبكة المياه التحتية. ( وهنا مقارنة بالصورة ما بين الحفرة التي أحدثها اغتيال الحريري واحدى الحفر التي تسبب بها القصف الجوي الاسرائيلي على الطرقات اللبنانية في حرب تموز 2006 ) الصورة رقم 2.
3- السيارة المتوقفة إلى جانب الحفرة والتي كانت موجودة لحظة الانفجار ما زالت محتفظة بشكل هيكلها، بينما كان من المفترض أن تطير لمسافات بعيدة وتدمّر بشكل كلي لو كان الانفجار قد نجم عن قنبلة بزنة عدة أطنان محمولة في سيارة غير بعيدة عن هذه السيارة.
4 – عصف القوة التدميرية لعبوة مزروعة على متن سيارة مفخخة لا شك بأنه كان سيكون موجها باتجاه موكب الحريري على يمين السيارة أو شمالها، وبالتالي فإن قوة الدفع للأشياء المحيطة بها ستجعلها تتطاير في احدى تلك الاتجاهات يميناً أو شمالاً، وفي ضوء ذلك فانه لا يمكن تفسير تطاير إحدى سيارات موكب الحريري الى الطابق الثالث في مبنى مجاور إلا من خلال القول بأن التفجير تم من أسفل الى أعلى ما جعل تلك السيارة تعلو بهذا الارتفاع. ( نموذج صورة للتفجير من تحت الارض والتفجير من فوق الارض/ الحريري – الصورة رقم 3).
5 - ان أي عبوة مزروعة تحت الارض أو فوقها بسيارة مفخخة، كان سيتم رصدها من قبل أجهزة الانذار والتشويش الموجودة في موكب الرئيس الحريري.
بالاستناد الى هذه التحليلات المشار اليها أعلاه يتبين لنا أن احتمال التفجير بواسطة سيارة مفخخة هو احتمال غير منطقي ولا تؤيده الوقائع على الأرض، وفي نفس الوقت من المستبعد أيضا ًأن تكون أية جهة قد حفرت الأرض ودفنت عبوة بزنة طن أو اثنين تحتها ثم أعادت ردم الحفرة، في منطقة مكتظة ليلاً نهاراً دون أن يلحظ ذلك أحد. ما يطرح السؤال: كيف تم الاغتيال اذاً؟.
*فرضية تنفيذ الاغتيال جواً بواسطة صاروخ أطلق من طائرة عسكرية :
لا شك بأن تحليل شكل الحفرة التي أحدثها الانفجار وحجمها من حيث اتساعها وعمقها تحديداً وما ذكرناه سابقاً عن تطاير احدى سيارات موكب الحريري الى الطابق الثالث لمبنى مجاور، فضلاً عن ما ظهر من خلال الصور المعروضة لجثة الرئيس الحريري التي كانت متضررة كثيراً في جزئها السفلي، في حين بقي الرأس والجزء الأعلى لجسده في حال أفضل، كل هذه الدلائل توصل الى طرح فرضية الاغتيال بواسطة صاروخ موجّه من الجو وتجعل كفتها الأكثر رجحاناً بين ما سبقها من فرضيات. لكن يبقى هناك بعض الجوانب التي تحتاج لايضاح والتي لا بد أن يكشف عنها نوع المواد المتفجرة التي يحملها الصاروخ المستخدم في الاغتيال وطريقة انفجاره.
فأولى الأسئلة التي يمكن أن تطرح هي هل يمكن لصاروخ أطلق من الجو باتجاه الارض أن يحدث حفرة كبيرة كتلك التي أحدثها الانفجار الذي أودى بالرئيس الحريري؟؟!.
الاجابة السريعة على هذا الأمر نسوقها من خلال مقارنة بسيطة بين صورة الحفرة الناجمة عن جريمة اغتيال الحريري وعدة صور لحفر أحدثها القصف الجوي الاسرائيلي سواء في حرب تموز 2006 ، أو في الحرب المستمرة على غزة وأبرزها استهداف كلية الشرطة التابعة لحركة "حماس" في غزة.
أما بشأن كيفية حدوث تلك الحفرة وتطاير الاسمنت على بعد مئات الأمتار وخروج قساطل المياه من أسفل الى أعلى، فان التفسير المنطقي لذلك هو بأنه قد يكون استخدم بالاغتيال صاروخ فائق الدقة وجه من الجو تحت سيارة الحريري مباشرة ليحفر الزفت على عمق محدد قبل أن ينفجر بالسيارة.
ويشار الى أن هذه الفرضية التي كانت قد حظيت باهتمام المحقق الدولي السابق سيرج براميرتس، وجدت صدى لها لدى بعض الخبراء التقنيين وخبراء الطب الشرعي. فمن جهته، أوضح الخبير في الحفر والبروفيسور في الهندسة الميكانيكية في جامعة واشنطن "كيث هولسابل"، في احدى تقاريره المنشورة سابقاً بأن القنبلة إذا ما كانت مزوّدة برأس حفّار، تكون قادرة على إحداث أضرار في الأرض والجثث كالتي حدثت في جريمة اغتيال الحريري. وأشار هولسابل الى أن هذا النوع من القنابل، يوجّه عادة من الجو ويكون على نسق قنابل "البانكر باستر" التي تخترق السطح المستهدف قبل أن تنفجر، وبالتالي فان عبوة تزن طناً واحداً مزوّدة برأس قادر على الاختراق وموجّهة من الجو تفسّر اذاً شكل الحفرة في جريمة اغتيال الحريري. ( صورة صاروخ البانكر باستر – صورة رقم 4 - )
بدوره، أعد الخبير الجنائي في لجنة التحقيق الدولية خافيير لاروش (مهندس في علم الطب الشرعي ومنسق للطب الشرعي لدى المحكمة الدولية) تقريراً سريا ًأشار فيه الى احتمال أن تكون "اسرائيل" هي التي اغتالت الحريري عن طريق قنبلة جوية مزوّدة بمواد متفجرة تزيد عن 500 كلغ من مادة "TNT" انفجرت لدى وصولها الى الأرض أو بتأخير بسيط سمح لجزء منها باختراق الأرض واحداث الحفرة وسمح للجزء الآخر منها بتدمير الأهداف القربية من مكان الانفجار.
*نوعية المتفجرات :
ولمعرفة نوعية المواد المتفجرة المستخدمة في اغتيال الرئيس الحريري أهمية خاصة في معرفة الجهة التي تقف خلف الاغتيال، خصوصاً اذا ما عرفنا بأن هناك أنواع معينة من هذه المواد ليست بحوزة سوى عدد قليل ومحدود جداً من الدول، ولتحديد ماهية تلك المواد لا شك أنه يقتضي الوقوف عند أدق تفاصيل الجريمة ودراستها بتمعّن، وأبرز ما يمكن ملاحظته عقب حصول الاغتيال مباشرة :
- الحرارة العالية والظاهرة من قوة اللهب التي نجمت عن الانفجار
- اشتعال محيط الجريمة وتناثر قطع سيارات موكب الحريري
- تفحّم أجساد الضحايا من جهة وبقاء الجهة الأخرى سليمة
- تناثر الأشلاء التي قطّعت بفعل الانفجار بشكل غريب
- عدم وجود أثار لعظام محطمة أو بارزة أو جلد ممزق بعدما تسبب قوة الحرارة بيباسه وبجفاف الدماء التي سالت.
- ذوبان ساعة الحريري المصنوعة من الذهب الخالص، وانصهار الفولاذ الذي صفّحت به سيارات موكب الحريري وتدميرها بشكل كامل
- تطاير أغطية أقنية المياه الموجودة في موقع الانفجار
ومما لا شك فيه بأن هذه الآثار التي خلفتها الجريمة تلقي الضوء على أنواع المواد المتفجرة المستخدمة في الاغتيال، وتوضح الخصائص التي يجب أن يمتلكها السلاح المستخدم في الجريمة ومنها:
- قدرته على امتصاص الأوكسيجين لحظة وقوع التفجير وهو ما يفسّره جفاف أجساد الضحايا بشكل كبير.
- قدرته على احداث ضغطاً قوياً جداً على منطقة الانفجار تُدفع الأشياء الثقيلة بعيداً عن الأرض، وتؤدي الى طيرانها في الهواء ( تطاير اغطية اقنية المياه..).
- امتلاكه درجة عالية من الدقة وقوة تفجيرية تؤدي لتدمير كلّ شيء في محيط معيّن بشكل محدد ومسيطر عليه.
- سرعة الانفجار وهو ما يوضحه التسبب بحرارة عالية جداً (الانفجار البطيء يحرق جميع العشب في منطقة التأثير بعكس الشحنة السريعة فقد تحرق ولكنها لا تحرقه كاملاً).
هذه الخصائص تطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما اذا كان السلاح المستخدم في اغتيال الحريري مجُهِّزاً بكمية قليلة من اليورانيوم المُخصّب الذي بامكانه ان يصدر إشعاعات بقياس محدد، وتزداد قوة هذه الفرضية ترجيحاً اذا ما علمنا بأن الاطباء في المستشفى العسكري الفرنسي الذين قاموا بمعالجة الناجي الوحيد من جريمة اغتيال الوزير السابق باسل فليحان ذُهلوا حينما اكتشفوا تعرّضه ليورانيوم مخصّب. وللتدقيق بشكل أعمق في هذه الفرضية نتوقف عملياً عند الآثار التي يمكن أن تحدثها القذائف المحمّلة باليورانيوم المخصّب على المدرعات والأفراد ومنها :
1- توليد قوة ضغط وطاقه كبيره تتسبب بانصهار الأجسام المدرعة بقدر كبير جداً جداً.
2- التسبب باشعاعات على أجساد الأفراد والتأثير على الجلد وانسداد الأوعيه الدمويه وتلف الخلايا العصبية.
3 - رفع درجه الحرارة بشكل كبير جداً في موقع الانفجار، وبالتالي فان الاحتراق والنيران المتكوّنة بعد حصوله يكون سببها الرئيسي هو الحرارة المتوّلدة من انفجار المادة المتفجرة، وتزداد سرعة الاحتراق بازدياد الضغط ودرجة الحرارة.
وللمزيد من الاطمئنان نجري مقاربة بسيطة للعلامات التي وجدت على أجساد بعض ضحايا الاعتداء الصهيوني على غزة عام 2008 ، وضحايا جريمة اغتيال الحريري، بما يظهر معه أوجه الشبه بين الاعتداءين.
فبحسب تقارير وزارة الصحة في حكومة اسماعيل هنية بغزة آنذاك فإن "الآثار التدميرية للقنابل التي استخدمتها اسرائيل في عدوانها على غزة تسببت بحروق بالغة للمصابين واخترقت عظامهم وتركت روائح كريهة في جثث الشهداء". وللمفارقة فان شهوداً عيان كانوا متواجدون في مسرح جريمة اغتيال الحريري اشتكوا من رائحة كريهة كانت تفوح في موقع الجريمة.
بدورها، وصفت صحيفة "ذي إندبندنت" البريطانية "الإصابات في غزة آنذاك بالغريبة جدًّاً، متحدثة عن احتراق جميع أجزاء أجساد الشهداء حتى العظام، وكذلك تمزّق وانفجار بعض الأعضاء الداخلية لديهم دون أنْ توجد جروح قطعية أو حادة في أجسادهم تبرر تلك الأضرار. وهي الآثار التي بدت ظاهرة ايضاً بشكل واضح على جثة الرئيس الحريري عقب الاغتيال فلم تظهر عليها تمزقات وجروح ولا نزف دماء ناتجة عن تشظي جسد الضحية، فيما ان سيلان الدم في جسد الحريري ظهر انه تم من الفم والانف وتعرض للجفاف بشكل سريع جراء الحرارة العالية الناتجة عن الانفجار.
وفي المحصّلة وبناء على كل ما تقدّم يتبين لنا أن هناك قرائن قوية تشير الى تورط اسرائيل بعملية اغتيال الرئيس الحريري سواء لناحية المواد المتفجرة والتي تحمل يورانيوم مخصّب ليس هناك سوابق باستخدامها الا من قبل اسرائيل، فضلاً عن تحليل طريقة حدوث الانفجار، وما نجم عنها من اضرار مادية في موقع الانفجار وجسدية طالت ضحايا الاغتيال.
|