لبنان إسرائيلي في بيروت وضواحيها!
لم يترك العدو الإسرائيلي ولا عملاؤه في لبنان والعالم العربي طريقة إلا واستخدموها لتبديل المفهوم الراسخ لدى شعوب منطقتنا عن همجية وإجرام هذا الكيان، محاولين تلميع صورة الجندي الإسرائيلي وتقديمه بشكل إنساني إلى درجة تدفعنا للتعاطف معه والشفقة عليه محوّلين الجلاد إلى ضحيّة والضحيّة إلى مجرّد إرهابي يغطي رأسه بقناع أسود.
هذه البروباغندا الإعلامية التي اعتدنا عليها والتي لم تعد تنطلي على أحد، تتجدد اليوم في لبنان عبر توزيع فيلم إسرائيلي بعنوان "Lebanon" أي "لبنان" في بعض المناطق اللبنانية بشكل فاضح ومخالف للقانون بعد منعه من قبل "الأمن العام" من دخول الأراضي اللبنانية منذ ثلاث سنوات. فما هي قصة هذا الفيلم؟
عام 2009 فاز الفيلم الإسرائيلي "لبنان" (إنتاج فرنسي - إسرائيلي مشترك، بمشاركة قنوات "آرتي وكانال") للمخرج الصهيوني "صموئيل ماعوز" بجائزة الأسد الذهبي لمهرجان البندقية السينمائي في دورته السادسة والستين، والفيلم الذي يعرض أحداث اليوم الأوّل من عملية اجتياح لبنان في العام 1982، صوّر من وجهة نظر مجموعة من الجنود الإسرائيليين ومن ضمنهم المخرج نفسه الذي كان حينذاك جندياً في جيش العدو. فيصوّر، من وجهة نظر إنسانية، مجموعة من الجنود الذين ظلوا ساعات طويلة داخل دبابة "الميركافا"، لا يستطيعون الفكاك منها لتتحول تحت شمس حزيران إلى نوع من "جهنّم صغيرة" تطبق عليهم، وهم نموذج للجندي الذي يفتقر للخبرة والذي لم يختار هذه الحرب بل كان هو أيضاً ضحية لها.
تتفاقم أحداث الفيلم حين تتوه الدبابة داخل الأراضي اللبنانية وتتعرض للهجوم من جهة مجهولة، الأمر الذي يفقد الجنود أعصابهم ويتهاوون واحداً تلو الآخر ويتعقد وضعهم النفسي، وفي هذا الوقت تظهر إنسانيّة الجندي الإسرائيلي في التعامل مع المدني اللبناني، وفي مقابلها وحشيّة الفلسطيني في التعامل مع هذا المدني، ففي رؤية تدعم الصيغة الدعائية الإسرائيلية، يحتجز الفلسطيني الذي يحمل الـ"كلاشنيكوف" ويرتدي الكوفية، مدنيين لبنانيين كرهائن ويعرضهم للقتل على أيدي إسرائيليين، في حين يساعد جندي صهيوني امرأة على ارتداء ملابس بدل تلك التي احترقت.
وينهج هذا الفيلم أيضاً نهج تبرئة الجندي الإسرائيلي من جرائم قتل الأسرى حين يصوّر ميليشياوياً في القوات اللبنانية يهدد الجندي السوري الأسير لدى الإسرائيليين بالقتل والإغتصاب، وهو الأمر الذي يعفُّ عن فعله الجنود الإسرائيليون في محاولة مكشوفة لرفع المسؤولية عن الإسرائيليين في ما يحدث من أمور شنيعة تدخل في طبيعة كل حرب.
ومن ابرز أسباب فوز الفيلم في مهرجان البندقية أنه يقدّم للمشاهد الغربي فرصة لاراحة ضميره وغسل يديه من الفظاعات التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل يومياً بحق العرب فيسمح له بأن يفرغ مشاعره السلبية من دون أن يقوده ذلك إلى طرح أسئلة عن الكيان الصهويني نفسه.
وعلى الرغم من كل ما أسلفناه، تفاجئنا منذ فترة وجيزة بانتشار هذا الفيلم في الأسواق اللبنانية حيث بات أمراً طبيعياً أن تدخل إلى محل لبيع الأفلام وتطلب الحصول على نسخة من الفيلم وتحصل عليها بسهولة وبمبلغ زهيد جداً، فيلم بصورة نقيّة وترجمة عربّية تخلو من الأخطاء، وكيف لا حين تكون المؤسسة التي قامت بترجمة الفيلم إلى لغتنا الأم هي مؤسسة عربية يبرز اسمها بوضوح على الشاشة طوال العرض "وعلى عينك يا تاجر" وحين ينتشر هذا الفيلم بشكل كثيف في متاجر "الأشرفية" و"برج حمود" و"الطريق الجديدة"!
الأمر الذي دفعنا إلى أن نقصد المديرية العامة للأمن العام اللبناني، وهي الجهة الرسمية المسؤولة، في محاولة منا لإستيضاح الموضوع، فأكد لنا مصدر رفيعة المستوى في الأمن العام أنه "خلال العام 2009 تم منع الفيلم السينمائي من إنتاج إسرائيلي Lebanon من دخول لبنان إنفاذاً للقوانين المرعية الإجراء لا سيما قانون مقاطعة إسرائيل الذي يحظر دخول البضائع والسلع والمنتجات الإسرائيلية بأنواعها كافة إلى لبنان وتبادلها والإتجار بها، هذا بالإضافة إلى أن مضمون الفيلم يشكّل دعاية لإسرائيل خاصة لجيشها لجهة تعامله خلال الحروب مع الحالات الإنسانية وغيرها من الأمور ذات الصلة". كما أشار المصدر إلى أنه بعد صدور قرار المنع "تمت مصادرة الفيلم من الأسواق اللبنانية عدة مرات بعد أخذ إشارة القضاء المختص".
وعن كيفية إدخال هذا الفيلم إلى لبنان فيرى المصدر نفسه بأنه "يتم إدخال الأشرطة الممنوعة إلى لبنان ومن ضمنها هذا الفيلم بصورة مخالفة للقوانين أي عبر طرق غير شرعية كالتهريب أو بنسخ الشريط عن مواقع الإنترنت (وهو أمر مستبعد نظراً للجودة التي يتمتع بها فيلم "لبنان" من ناحية نقاوة الصورة أو الصوت)".
هذا ويؤكد المصدر أنّ "المديرية العامة للأمن العام تقوم بتنفيذ المهام المنوطة بها على كامل الأراضي اللبنانية وعند توافر معلومات لديها حول موضوع ما توجّه كتاباً إلى النيابة العامة التي يعود لها اتخاذ الإجراءات المناسبة وفقاً لمقتضيات الوضع وبما يتطابق مع القوانين المرعية الإجراء". مضيفاً أنّ "المديرية نفسها تقوم بتطبيق القانون بالدرجة الأولى وتؤدي عملها بما يسهم في حماية المقومات والمبادئ الوطنية والأخلاقية والمجتمعية خاصة عن طريق مقاومة كل دعوة غير مؤاتية لمصلحة لبنان ومن ضمنها محاولات التطبيع والغزو الثقافي للعدو الإسرائيلي".
بعد 27 عاماً على قتله أوّل شخص في حياته إستبدل الجندي السابق والمخرج الحالي صموئيل ماعوز منظار الدبابة بكاميرا والفرق بينهما هو أن الأول لا يناقش بل يضرب أما الثاني فيحاول اقناعك. والفيلم الذي صوّر بطريقة أميريكية مشوّقة، أظهر الإجتياح الإسرائيلي وكأنه عملية دفاع عن النفس بوجه عدو ملثّم الوجه ينعته الفيلم بالإرهابي، فأراد المخرج نقل الخوف الذي اعترى الجنود الإسرائيليين داخل الدبابة في حين أنه غير معني بتاتاً في طرح الأسئلة الموجعة مثل ما الذي دفع الكيان الصهيوني إلى غزو لبنان؟
ومن يشاهد الفيلم دون أن تكون لديه خلفية عن حقيقة الصراع العربي – الاسرائيلي، سيتأثر حتماً بأحداثه وسيبكي كما فعل الجمهور الذي شاهده في أكثر من دولة أوروبية، حيث بكت الجماهير ليس أسفاً على الذين استشهدوا في الإجتياح وإنما تأثراً بأولئك الجنود الأربعة الذين يظهر الفيلم أنهم خاضوا الحرب مرغمين ومتألمين، مما ينسحب على موضوع أخطر ألا وهو ردم الهوة الأخلاقية التي خلفتها مجازر حربي تموز وغزة وما سبقهما باعتبار ان الخطأ وارد في الحروب، هذا الخطأ الذي لا ينفك يكبر منذ أربعينات القرن الماضي، ومن ثم يأتي من يحصد النجومية على حساب اعتذار وتجربة يرويها من باب إنسانية القتل ومبدأ الحياة للأقوى، فتتواصل الموضة الإسرائيلية في فحص الضمير المعذب سينمائياً بنجاح كبير وبتسويق لبناني.
|